
الكاتب الصحفي خالد فيصل الطويل
بعد سنوات من التهجير العودة السورية بين ضغط البقاء، ومخاطر العودة، واختبار أوروبا لالتزاماتها الإنسانية.
ليست كل عودةٍ طوعية، حتى لو حملت أوراقها الرسمية هذا الوصف.
فالإكراه لا يأتي دائمًا على هيئة شرطي يطرق الباب، أو قرار ترحيل يوضع في يد اللاجئ. أحيانًا يكون أكثر هدوءًا… وأكثر تعقيدًا… وأكثر قدرة على الاختباء خلف لغة قانونية تبدو محايدة.
تبدأ الحكاية عندما تتقلص مساحة الخيارات أمام الإنسان تدريجيًا.
إقامة تصبح أكثر هشاشة، إجراءات تزداد تعقيدًا، لمّ شمل يتعثر، مساعدات تتراجع، وخطاب سياسي يكرر أن «وقت العودة قد حان».
لا أحد يقول له صراحة: ارحل.
لكن الرسالة تصبح واضحة بما يكفي:
يمكنك أن تبقى… لكن البقاء سيصبح أصعب.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تستحق النقاش: متى يكون قرار العودة اختيارًا حرًا؟ ومتى يتحول الضغط المتراكم إلى شكل من أشكال الإكراه الناعم؟
ليست كل عودة انتصارًا
من السهل جدًا أن تتحول أعداد العائدين إلى عنوان سياسي.
عاد عشرة آلاف… عاد مئة ألف… ارتفعت أرقام العودة…لكن الأرقام مهما كانت كبيرة، لا تخبرنا القصة كاملة.
فالسؤال الأهم ليس: كم سوريًا عاد؟
بل: لماذا عاد؟ وكيف عاد؟ وماذا حدث له بعد العودة؟
قد تكون العودة بالنسبة إلى شخص ما حلمًا انتظره سنوات، وقد تكون بالنسبة إلى شخص آخر نهاية لمساحة الخيارات المتاحة أمامه.
والخلط بين الحالتين هو أول خطأ في التعامل مع هذا الملف.
فالعودة التي يختارها الإنسان بعد أن يقتنع بأن وطنه أصبح آمنًا وقادرًا على احتضانه، تختلف جذريًا عن عودة يشعر فيها أن أبواب البلد الذي لجأ إليه قد أُغلقت تدريجيًا في وجهه.
الأولى عودة.
أما الثانية فقد تكون انسحابًا تحت الضغط، ولو لم تحمل اسم الترحيل.
كيف تُصنع «الطوعية»؟
الإكراه الحديث لا يحتاج دائمًا إلى القوة المباشرة.
يمكن أن يُصنع عبر تراكم قرارات صغيرة، تبدو كل واحدة منها منفردة قابلة للتبرير، لكنها حين تجتمع تنتج بيئة تجعل البقاء أكثر صعوبة.
تشديد بعض الإجراءات.
مراجعة أوضاع الحماية.
تعقيد لمّ شمل الأسرة.
تراجع الدعم.
زيادة القيود الإدارية.
خطاب سياسي يربط وجود اللاجئين بعبء اقتصادي أو اجتماعي.
كل ذلك قد يكون جزءًا من سياسات هجرة مشروعة في نظر الدولة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح مجموع هذه السياسات أكبر من مجرد تنظيم للهجرة، ويتحول إلى بيئة طاردة تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرار لم يكن ليتخذه في ظروف أكثر استقرارًا.
وهنا لا يعود السؤال قانونيًا فقط.
بل يصبح أخلاقيًا أيضًا:
هل يكفي أن نقول إن أحدًا لم يجبره على الرحيل، بينما جرى تضييق الخيارات أمامه إلى الحد الذي جعل الرحيل أقرب الخيارات المتاحة؟
هذه هي المنطقة التي يجب أن نتوقف عندها.
السوري ليس رقمًا في جدول العودة.
هناك خطأ آخر في هذا النقاش، وهو التعامل مع سوريا كأنها نقطة جغرافية واحدة.
سوريا اليوم ليست ملفًا إداريًا بسيطًا يمكن اختزاله في عبارة «الوضع تحسن».
الأمان له مستويات.
والاستقرار يختلف من منطقة إلى أخرى.
والقدرة على الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والخدمات ليست واحدة.
كما أن آثار الحرب لم تختفِ بمجرد توقف المعارك الكبرى.
هناك بيوت دمرت، وملكيات تغيرت، وأسر تشتت، ومفقودون لم تُحسم مصائرهم، وذاكرة ثقيلة من العنف والخوف، فضلًا عن اقتصاد يحتاج إلى سنوات طويلة ليستعيد قدرته على توفير حياة طبيعية.
لهذا فإن إعادة الإنسان إلى سوريا لا تعني بالضرورة إعادة حياته.
قد تعيده إلى المكان الذي ولد فيه، لكنها لا تضمن أن يجد المنزل الذي تركه، أو العمل الذي كان يعتمد عليه، أو المجتمع الذي كان يعرفه.
وهنا يجب أن يتغير السؤال.
ليس:هل يستطيع السوري العودة؟
بل: هل يستطيع أن يعيش بعد العودة؟
والفارق بين السؤالين هو الفارق بين «إعادة شخص» و«إعادة بناء حياة».
جيل كامل لم يعد كما كان
هناك جانب غالبًا ما يغيب عن الحسابات السياسية: الأطفال.
طفل سوري غادر بلده صغيرًا، ثم أمضى سنوات في مدرسة أوروبية، وتعلم لغة جديدة، وبنى صداقاته وأحلامه في مجتمع آخر، لا ينظر إلى سوريا بالطريقة نفسها التي ينظر بها والده.
بالنسبة إلى الأب، قد تكون سوريا وطن الذاكرة.
أما بالنسبة إلى الابن، فقد تكون وطن الحكايات.
وهذا يعني أن قرار العودة ليس قرارًا فرديًا دائمًا.
إنه قرار يعيد تشكيل حياة أسرة كاملة، وربما مستقبل جيل كامل.
لذلك لا يكفي أن نقول إن «الوالدين يريدان العودة».
السؤال يجب أن يشمل أيضًا: ماذا تعني هذه العودة للأطفال؟ وهل توجد لهم مدرسة؟ وهل يستطيعون الاندماج من جديد؟ وهل يملكون لغة التعليم المناسبة؟ وهل سيجدون البيئة التي تسمح لهم ببناء مستقبل مستقر؟
فالعودة التي تنتج جيلًا جديدًا من المنقطعين عن التعليم أو العالقين في الفقر ليست عودة ناجحة، مهما بدا رقمها جميلًا في تقرير رسمي.
أوروبا بين السيادة والالتزام
لا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية واحدة.
الدول الأوروبية ليست مطالبة بإلغاء قوانين الهجرة، ولا يمكن تجاهل حقها في تنظيم الإقامة والحماية واللجوء.
كما أن من حق أي دولة أن تعيد تقييم أوضاع الحماية عندما تتغير الظروف.
لكن السيادة على الحدود لا تعني السيادة على تعريف الأمان.
ولا يجوز أن تتحول الرغبة السياسية في خفض أعداد اللاجئين إلى معيار وحيد لتحديد ما إذا كانت العودة مناسبة.
فهناك فرق بين إدارة الهجرة ودفع الناس إلى المغادرة.
والفرق بينهما يجب أن يبقى واضحًا مهما كانت الضغوط السياسية والاقتصادية.
إذا كانت العودة آمنة فعلًا، فالأفضل أن تكون مدفوعة بالأسباب الإيجابية:
بيت ينتظر صاحبه.
عمل يمكن الاعتماد عليه.
مدرسة للأطفال.
مؤسسات تحمي الحقوق.
وقانون يستطيع الإنسان أن يثق به.
أما أن تصبح العودة نتيجة الخوف من المستقبل في بلد اللجوء، فهنا تفقد كلمة «الطوعية» جزءًا أساسيًا من معناها.
الأمن يبدأ من الإنسان
قد يبدو أن قضية العودة شأن إنساني فقط.
لكنها في الحقيقة قضية أمنية أيضًا.
فالإنسان الذي يعود دون مصدر دخل، أو دون منزل، أو دون حماية قانونية، أو دون شبكة اجتماعية، قد يجد نفسه أمام ظروف أكثر هشاشة مما كان يتوقع.
والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية ليست مجرد مشكلة شخصية.
فعندما تتراكم البطالة والفقر والتهميش وانعدام الخدمات، فهي تتحول إلى عوامل تغذي أزمات اجتماعية وأمنية أوسع.
ولهذا فإن العودة المستدامة ليست مصلحة سورية فقط. إنها مصلحة أوروبية أيضًا.
فالعودة غير المدروسة قد لا تنهي المشكلة.
قد تنقلها فقط من مخيمات اللجوء ومراكز الاستقبال إلى أحياء فقيرة، أو مناطق نزوح، أو موجات هجرة جديدة.
لا نريد عودة سريعة… نريد عودة قابلة للحياة
سوريا تحتاج إلى عودة أبنائها؛ لكنها تحتاج إلى عودتهم بخبراتهم وإرادتهم وثقتهم.
تحتاج إلى الطبيب الذي يريد أن يفتح عيادته.
والمهندس الذي يريد أن يشارك في إعادة الإعمار.
والمعلم الذي يريد أن يعود إلى مدرسته.
ورجل الأعمال الذي يرى فرصة للاستثمار.
والشاب الذي يرى أن مستقبله يمكن أن يكون في بلده.
هذه العودة هي التي يمكن أن تضيف إلى سوريا.
أما العودة التي تأتي بعد أن يُغلق أمام الإنسان كل باب آخر، فقد تعيد جسدًا إلى سوريا، لكنها لا تعيد بالضرورة روح الإنسان الذي غادرها.
والدول التي تفكر جديًا في عودة السوريين يجب أن تفكر في استدامة العودة لا في سرعتها.
السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأرقام:
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن الاحتفال بالأرقام وحدها.
فوراء كل رقم قصة.
وراء كل عائد عائلة.
وراء كل حقيبة قرار.
وراء كل قرار خوف وأمل وذاكرة ومستقبل.
لذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة للعودة لا ينبغي أن يكون عدد الأشخاص الذين غادروا أوروبا باتجاه سوريا، بل عدد الذين استطاعوا بعد عودتهم أن يعيشوا بأمان وكرامة، وأن يجدوا عملًا وسكنًا وتعليمًا وحماية قانونية، وأن يشعروا بأن العودة كانت بداية حياة جديدة لا نهاية لمرحلة من الضغط.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية:
هل نريد عودة السوريين… أم نريد فقط تقليل أعداد السوريين في أوروبا؟
الفرق بين السؤالين ليس تفصيلًا.
إنه جوهر القضية كلها.
فإذا كان الهدف هو تقليل الأعداد، يمكن تحقيق ذلك بالضغط.
أما إذا كان الهدف هو عودة السوريين وبناء سوريا، فلا يمكن تحقيقه إلا بالثقة.
العودة الحقيقية لا تُهندَس:
يمكن للدول أن تصنع قوانين للهجرة.
ويمكنها أن تشدد الإجراءات.
ويمكنها أن تضيق مساحات الإقامة.
لكنها لا تستطيع أن تصنع الانتماء بالإكراه.
السوري الذي يعود لأنه لم يعد يملك خيارًا آخر، قد يصل إلى سوريا.
أما السوري الذي يعود لأنه وجد في بلده أمنًا وفرصة ومستقبلًا، فهو الذي يعود فعلًا.
وهذا هو الفارق بين ترحيل إنسان إلى وطنه واستعادة وطنٍ لأبنائه.
سوريا لا تحتاج إلى أن تُفرغ أوروبا من السوريين.
ولا تحتاج أوروبا إلى أن تجعل السوريين يدفعون ثمن عجزها عن إدارة ملف اللجوء.
ما تحتاجه الأطراف كلها هو سياسة أكثر عقلانية وإنسانية: عودة تدريجية، مستنيرة، قابلة للاستمرار، ومبنية على القرار الحر لا على تضييق الخيارات.
لأن العودة التي تحتاج إلى الضغط كي تحدث، ليست انتصارًا لأحد.
أما العودة التي تحدث لأن الإنسان أصبح يرى في وطنه أمانًا ومستقبلًا وكرامة، فهي وحدها التي يمكن أن تكون بداية حقيقية لسوريا الجديدة.
فالعودة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود…
بل تبدأ عندما يصبح الوطن خيارًا، لا مخرجًا اضطراريًا.




